عبد العزيز كعكي
49
معالم المدينة المنورة بين العمارة والتاريخ
وفصلوا بين هندسة بيوتهم والأوهام ) . ولا غرابة أن تأخذ مكة هذا اللون من البناء من يثرب فقد كانت المدينتان على صلات عظيمة ووثيقة متعددة ، فمن يثرب تزوج هاشم بن عبد مناف إحدى نسائها العظيمات المعدودات من نساء العرب وهي سلمى بنت عمرو النجارية المعروفة بالمتدلية فهي إحدى جدات الرسول صلى اللّه عليه وسلم . وعرفت الطائف أيضا الآطام من يثرب ، ولكن في فترة متأخرة نسبيا وكان لذلك سبب يذكره المؤرخون ، فقد نشبت الحرب بين فرعي ثقيف بالطائف وهما بنو مالك والأحلاف واقتتلوا فيما بينهم قتالا شديدا لم يتحقق فيه النصر لأحد من الفريقين ، فعمد كل فريق منهم إلى الاستعانة على الآخر بمن يستطيع من العرب ، فسارت بنو مالك تبغي الحلف من « دوس » و « خثعم » وغيرهما ، وخرجت الأحلاف إلى « يثرب » تبتغي الحلف من « الأوس » و « الخزرج » ، فقدم مسعود بن متعب على سيد الأوس الشاعر أميمة بن الجلاح الجحجبي ، فطلب منه الحلف . . . ( إلى أن قال فانصرف عنه مسعود ثم إن أميمة زوده بسلاح وزاد وأرسل معه غلاما كان يبني الآطام بيثرب « 1 » خبيرا بتشييدها ليستعمله في إقامة مثلها في الطائف ليفادي بها هجمات الأعداء ، فبنى له أطما كبيرا فكان أول أطم بني في الطائف ، ثم توالى بناء الآطام فيها عندما أدرك أهلها مدى أهميتها من حيث أسلوب بنائها ووظيفتها الدفاعية التي لم يكن لهم بها عهد في بني قومهم الأولين ) . ويتضح مما سبق أنه كان هناك متخصصون في عمارة الآطام يحسنون بناءها وعمارتها ، ولهم الخبرة والدراية في أساليب تصاميمها وقواعد إنشائها ، فاختاروا لعمارتها الأحجار من المحاجر القريبة منها فأرسوا دعائمها وشيدوا حوائطها وسقفوا غرفها وحجراتها بجذوع النخل والأخشاب التي جلبت لها من المزارع القريبة ، فكانت عمارة الآطام في يثرب هي عمارة المكان ، استخدمت فيها معطيات المكان والبيئة التي وجدت فيها ، فظهرت ملائمة لطبيعة يثرب أولا ، ولسكانها ثانيا ، ويعتبر هذا الأسلوب في نوعية البناء من أرقى وأفضل أنواع البناء حتى يومنا هذا . وقد ظهرت في الآونة الأخيرة مجموعة كبيرة من أساتذة العمارة وخبراء التراث المعماري ينادون إلى العمارة المحلية ، تلك العمارة التي تنتمي إلى بيئة المكان فتستخدم المواد الطبيعية والمحلية لتشييدها وعمارتها ، وقد يكون هذا التوجه اليوم هو توجه عالمي ليس عندنا فحسب ، فقد حذت الدول الأوروبية
--> ( 1 ) « الكامل في التاريخ » - ابن الأثير - ج 1 ص 541 طبعة أولى 1407 ه / 1987 م .